الدولة الدينية أم دولة العدالة؟
قد يبدو هذا السوال مشروعاً ومبرراً، عندما نلتفت إلى جملة تلك الأسئلة التي تطرح حول الهدف الذي يجب أن تعمل عليه مجمل الحركات الدينية والإسلامية تحديدا في الإجتماع العام، والمشروع الذي يجب أن تتبناه في إطار ذلك الاجتماع، فهل هو الدولة الاسلامية، أم هو نموذج آخر في الدولة، وما هو ذلك النموذج الآخر الذي قد يطرح في هذا السياق؟
هنا لا بد من الإلفات الى أن ما نقصده بتعبير الدولة الدينية هو نموذجها التاريخي والسلطاني تحديداً، هذا النموذج الذي سعى الى كسب المشروعية الدينية من الدين، لكن في تجربته مارس فعلاً مفارقاً للدين في أهدافه وقيمه، ومع ذلك فإنه يُقدّم كنموذج للدولة في التاريخ الإسلامي معبّر عن الدين وأهدافه، وان كان بحسب الواقع يجافي معانيه وقيمه الأصلية.
ولا بدّ من الإشارة أيضاً الى أنه لا نريد القول هنا إن الدين والعدالة مقولتان متنافرتان، أو أن العدالة والإسلام مقولتان متباعدتان. ليس هذا المراد قوله بالتأكيد، إنما المراد تحديد المرتكز الفكري الذي يجب أن تقوم عليه فكرة الدولة، وتالياً مشروعها، هل هو العدالة وأطروحتها، أم هو هذه القرآة أو تلك للدين أو للإسلام، والتي قد لا تقود بالضرورة الى العدالة في جملة من أبعادها.
الفرضية التي نود طرحها في سياق الإجابة على سوال البحث، هي أن ما ينبغي أن يطرح كمشروع في الاجتماع العام هو دولة العدالة، بحيث تضحى العدالة في مختلف مجالاتها الأساس الذي تقوم عليه الدولة وأهدافها ووظائفها، ولتصبح المقولات الأخرى أمراً تابعاً لمقولة العدالة، وخادماً لها. أي إن المقولة الأساس التي يجب أن يقوم عليها اجتماع الدولة هي مقولة العدالة ومعانيها وقيمها.
وهنا، إذا ما طرح السؤال التالي حول المبررات التي تقود إلى تبني هذه الفرضية، وتقديمها على الدولة الدينية ونموذجا؛ فالجواب يكمن فيما يلي من هذه النقاط:
عندما نطرح العدالة كرؤية وفلسفة ومشروع وبرنامج، نكون بذلك قد استجبنا للفطرة الإنسانية وللهدف الإنساني الأول الذي ينشده الاجتماع الانساني، ولجوهر الرسالات الإلهية التي أنزلت من أجل القسط وإقامة العدل. يقول الله تعالى:" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط." (سورة الحديد، الآية 25)
قد لا تكون جميع تلك القضايا (مشاريع،برامج،سياسات...) على ذاك القدر من الوضوح والنضوج، لكن عندما يتم الاتفاق على الوجهة العامة للدولة، وهدفها الأساس، ووظائفها ذات الأولويّة؛ فإن هذا الأمر سوف يساعد على إنضاج جميع تلك القضايا ذات الصلة، واستكمال البحث فيها، للوصول بها الى تحقيق تلك الغايات والأهداف، التي تسعى العدالة اليها والى بلوغ مدياتها.
هنا ليس المراد القول إن نموذج دولة العدالة هو النموذج الذي يقطع مع الدين، وإنما المراد القول إن جوهر الطرح الذي تقوم عليه تلك الدولة هو العدالة، بما هي فكرة إنسانية تستفيد الى حدٍّ بعيد من العقل وخبرته، والعلم وتجربته. لكنها تلك التي تتكامل مع القيم والمعاني الدينية الأصيلة كما جاءت في الأديان، وكما هي في جوهر الدين. في هذا السياق يصبح متاحاً أكثر إزالة مجمل تلك الالتباسات الفكرية قد تعيق بناء الدولة، عندما تصبح هذه الدولة عرضة لكثير من تلك الالتباسات الفكرية والتاريخية والتي قد يفتقد بعضها الى صفة العلمية أو الموضوعية.
وهذا ما قد يوفّر أكبر توافق بين مختلف تلك الجهات، سواءً كانت سياسية، أم أيديولوجية، أم طائفية، أم مذهبية.. على مشروعٍ عابرٍ لجميع تلك الجهات، وقادرٍ على جمعها، وإيجاد كلمةٍ سواء بينها. وهو ما قد يكون له العديد من النتائج الإيجابية على الاجتماع العام وانتظامه ومصالحه، وعلى الدولة ومؤسّساتها ووظائفها، عندما تتوفر قاعدة عريضة من التوافق على مختلف شوؤن الدولة، والتي تقوم على أساس من تلك العدالة وقيمها، ومشروعها، وسياساتها.
هذا في الإجمال أهم المبرّرات التي يمكن أن تطرح في هذا السياق، لكن قد يحصل أكثر من اعتراض على هذا الطرح، اعتراض من قبل الذين قد يتمسكون بمقولة الدولة الدينية، وآخر من الذين يأخذون موقفاً عدائياً من الدين -كدين- بمعزل عن المعاني المتضمنة في هذه القراءة الدينية أو تلك، ومدى ملائمتها للعصر، وقدرتها على نفع الاجتماع العام وبنائه.
الاعتراض الأول قد يذهب الى القول بأن عدم تبنّي مقولة الدولة الدينية بشكلها الواضح والصّريح، قد يسمح بالذهاب الى قراءات فكرية للعدالة، قد تقودنا بعيداً عن المعاني والمفاهيم الأصلية التي يحتويها الدين. وبالتالي قد يكون طرح دولة العدالة مدخلاً الى الابتعاد عن الأطروحة الدينية في مختلف أبعادها، تلك الأطروحة التي تحيل مقولة العدالة الى واقع ميداني وتطبيقي ينسجم مع الدّين.
في مقام الجواب لا بد من القول إن هذا الاحتمال قائم في جميع الموارد، لكن المائز في طرح دولة العدالة هو أنه نكون قد وفّرنا قاعدة انطلاق مشتركة لجميع الفئات على تنوّعها من أجل البحث في مجمل القضايا الخلافية، حيث يمكن لهذه القاعدة أن يستند عليها في تقييم جميع الطروحات الدينية وغير الدينية من جهة ملائمتها لمقولة العدالة، وقدرتها على خدمة مشروعها، أو عدم ملائمتها وافتقادها لتلك القدرة.
هذا فضلاً عن أن هذا الطرح ينطوي على بعد منهجي ذي أهمية، وهو أنه عندما يتم طرح العدالة كقيمة أولى لفكرة الدولة، فإن هذا يسمح بتحويل العدالة الى قيمة معيارية تقاس عليها العديد من الأفكار التي تنسب الى الدين، و الأفهام التي تقدم باعتبار كونها تعبيراً عن معانيه وجوهره. ففي هذا المورد تصبح العدالة ميزاناً لترجيح أي من هذه الأفكار أو الأفهام وتبنّيها.
وليس المراد هنا القول باستقلال العدالة وقضاياها عن الدين وبيانه، بل المراد أن يكون هناك علاقة تكاملية وتفاعلية بين مقولة العدالة والبيان الديني، هذه العلاقة التي تحتاج الى نوع بناء وتنظيم.
لكن يمكن القول إنه في الوقت الذي يقدّم فيه الدين بيانه لمقولة العدالة وترجمتها في الإطار التطبيقي، ويبرز أطروحته الشاملة في تلك المقولة؛ فإنه يمكن، وفي موارد عديدة، أن تكون العدالة كقيمة معياراً و ميزاناً في النظر الى بعض القضايا الدينية، أو القراءات الدينية، لترجيح بعضها على بعض، من حيث أنها أقدر على خدمة أهداف العدالة وتسييلها في الاجتماع العام، أو أنّها تنسجم مع تلك الأهداف، أو لا تنسجم معها.
ثم ما المانع من أن تُعطى الدولة هويتها الأساسية التي تنسجم مع جوهر الدين وحقيقته؟ وما المانع في أن يتم تبني المضمون القيمي الأساس لفكرة الدولة، بطريقة يصبح فيها من الواضح والسهل تحديد التوجهات الأساسية لتلك الدولة ووظائفها واستراتيجيتها وسياساتها...
وخصوصا عندما يكون هذا المضمون هو القيمة الأساس التي جاءت بها الرسالات الإلهية، وعملت على بيانها وإقامتها.
ألن يكون من المجدي أن يسفر الدين عن جوهره الحق من خلال طرح مشروعه في اجتماع الدولة، بما يعبّر عن جوهره القيمي والإنساني الذي جاء من أجل الإنسان وخيره وعدالته؟ هنا ليس المطلوب من أية جهة تتبنّى الفكر الديني والدين كمرجعية أن تتنازل عن فكرها، ومرجعيتها، ومشروعها لاجتماع الدولة؛ لكن فرق بين ان يكون محور المشروع هو هذا الفهم او ذاك للدين، حيث يكون المطلوب تسيد هذا الفهم وتكون العدالة في رتبة متأخرة، وبين أن يكون محور المشروع هو العدالة وإقامتها، ويكون الفهم الذي يجب أن يبني للدين هو الفهم الهادف إلى تلمس جوهره، والساعي الى تحقيق هدفه الأسمى، والذي يقوم منهجه في الفهم على أساس من قيمة العدالة، والذي أقام ميزاناً يسمح بغربلة أكثر من فهم سلطاني أو تاريخي للدين، همّش العدالة، أو قام بتعطيلها، وزرع في التراث والوعي جملة من المعوقات، التي أدّت- فيما أدّت إليه- الى إعاقة العدالة عن قيامها بدورها ووظيفتها.
هنا سوف يكون من المطلوب من أية جهة دينية أن تقدم رؤيتها التي تستند الى الدين، ومشروعها الذي يقوم على مصادر الدين لكن كل ذلك في سياق العدالة ومشروعها، وفي إطار تحقيق أهدافه.
إن من يقرأ النصوص الدينية الأساسية يصل الى هذه النتيجة، بأن الدين قد أتى من أجل أن يخدم العدالة ويقيمها "ليقوم الناس بالقسط"، وأن هذا الهدف هو الهدف المركزي الذي جاءت من أجله الرسالات الإلهيّة على مدار التّاريخ.
ومن هنا كانت دولة العدالة دولة تقيم الدين بالضرورة، في حين أن الدولة الدينية في بعض أو جلّ نماذجها التاريخية لم تكن دولة عدالة بالضرورة، بل ربما نجد أن بعض نماذج تلك الدولة الدينية، التي التحفت الدين في شكله، وخالفته في جوهره؛ كانت أكثر ارتكابا للظلم، وأشد مفارقة للعدالة.
إن الحديث في دولة العدالة يقوم على الأخذ بذاك الفهم للدين الذي ينبع من جوهره، ويلامس حقيقته؛ ذاك الجوهر وتلك الحقيقة اللذان يقودان حكماً إلى إنسانية العدالة وعدالة الإنسانية، أي إلى جوهر فطري إنساني للعدالة، وإلى مدى إنساني عابر لجميع الحواجز والحدود لتلك العدالة ومدياتها وإعمالها.
إن دولة العدالة الفعلية هي دولة الدين الحق، وإن الدولة التي تلامس في قيمها وثقافتها ووظائفها وسياساتها المعاني الجوهرية والأصيلة للدين في العدالة ومحوريتها، هي الدولة الأقدر على إيجاد بيئة مساعدة على هداية الإنسان إلى الله العادل، وهداية المجتمع الى عبادة الله العادل، لأن من كانت سجيّته العدل، لا يمكن له إلا أن يكون عادلاً مع نفسه، ومن كان عادلاً مع نفسه أعطاها حقها في الحياة الطيبة والكريمة في الدنيا، والحياة الطيبة والكريمة في الآخرة.
أما الإعتراض الثاني فقد يأتي من بعض الجهات التي يتملكها موقف سلبي من الدين بكليته، بمعزل عن أية قراءة يمكن أن تطرح، أو أي فهم يمكن أن يبرز في هذا السياق.
في مقام الجواب على هذا الاعتراض، لا بد من القول إن هذه الفئة مدعوّة الى التعامل بشيء من الموضوعية والعلمية مع الدين، تعاملاً يقوم على أساس أصالة الإنسان وخيره وسعادته ومصالحة الواقعية، وليس على أساس العداء للدين، حتى لو كان في صالح الإنسان وخيره. هنا يصبح من المطلوب قراءة أي فهم للدين على أساس من تلك المعايير المذكورة، فإذا ما وُجد أن فهماً ما للدين هو الفهم الأقدر على خدمة العدالة الانسانية، والمصالح الواقعية للإنسان؛ لن يكون من الصحيح عندها أن تركن هذه الفئة أو تلك إلى نوع من العدائية المستوردة للدين، أو اللاعقلانية في التعامل معه، أو اللاعلمية في النظرة إليه، إنما يجب أن يغلّب عليها المصلحة الواقعية للانسان، وأن تغلّب المعايير الإنسانية في النظر الى الأمور، فإذا ما وجدت أن فهماً ما للدين وجوهره هو الذي يساعد على تحقيق العدالة بأعلى مراتبها، وخدمة المصالح الواقعية للإنسان بأفضل مستوى لها؛ هنا ينبغي أن لا يحول حائل دون أخذها بذاك الفهم، وتقبّلها له، وإقبالها عليه، وخصوصاً عندما تدرك أن أي طرح ذو بعد ديني لقضية العدالة ومشروعها هو طرح يقوم بالضرورة على أبعاد أخرى علمية وخبروية وعقلية ومعاصرة، ترتبط بالزمان والمكان، أي إن وجود البعد الديني ليس وجوداً يقصي بقية الأبعاد، وإنما هو وجود يتطلب وجود بقية الأبعاد العلميّة والعصريّة ويتكامل معها.
إن هذه المقاربة تقوم على أساس أن الدين في جوهره الأصيل هو دين العدالة، وهذا يعني أن نبحث عن عدالة الدين ومضامينه الأصلية الزاخرة بقيم العدالة ومعانيها، وهو ما يتطلب أن نقيم الاجتماع العام على أساس من تلك العدالة، وأن نقيم اجتماع الدولة على أساس من تلك العدالة، لأن من أقام الدين لا بد أن يقيم العدل، ومن أقام العدل فقد أقام الدين وجوهره. لكن يبقى أن اكتشاف المعاني الأصيلة والصّحيحة في الدّين هو الذي يعين على إقامة العدل في معانيه الصّحيحة، التي تساعد على بلوغ الغايات الواقعيّة للعدالة، والأهداف الحقيقيّة للقسط.
عدد قراءات المقال : 1374
الإعلان